علي بن محمد البغدادي الماوردي
150
أدب الدنيا والدين
في حكم وإن عدل لم يجسر أحد على ظلم . وقال بعض الأدباء : إن أقرب الدعوات من الإجابة دعوة السلطان الصالح وأولى الحسنات بالأجر والثواب أمره ونهيه في وجوه المصالح فهذه آثار السلطان في أحوال الدنيا وما ينتظم به أمورها . ثم لما في السلطان من حراسة الدين والذّب عنه ودفع الأهواء منه وحراسة التبديل فيه وزجر من شذ عنه بارتداد أو بغى فيه بعناد أو سعى فيه بفساد وهذه أمور إن لم تنحسم عن الدين بسلطان قويّ ورعاية وافية أسرع فيه تبديل ذوي الأهواء وتحريف ذوي الآراء فليس دين زال سلطانه إلّا بدّلت أحكامه وطمست أعلامه وكان لكل زعيم فيه بدعة ولك عصر في وهيه « 1 » أثر كما أن السلطان إن لم يكن على دين تجتمع به القلوب حتى يرى أهله الطاعة فيه فرضا والناصر عليه حتما لم يكن للسلطان لبث ولا لأيامه وصفو وكان سلطان قهر ومفسد دهر ومن هذين الوجهين وجب إقامة إمام يكون سلطان الوقت زعيم الأمة ليكون الدين محروسا بسلطانه والسلطان جاريا على سنن الدين وأحكامه . وقد قال عبد اللّه بن المعتز : الملك بالدين يبقى * والدين بالملك يقوى واختلف الناس هل وجب ذلك بالعقل أو بالشرع فقالت طائفة : وجب بالعقل لأنه معلوم من حال العقلاء على اختلافهم الفزع إلى زعيم مندوب للنظر في مصالحهم . وذهب آخرون إلى وجوبه بالشرع لأن المقصود بالإمام القيام بأمور شرعية كإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وقد كان يجوز الاستغناء عنها بأن لا يرد التعبد بها فبأن يجوز الاستغناء عما لا يراد لها أولى . وعلى هذا اختلفوا في وجوب بعثة الأنبياء فمن قال بوجوب ذلك بالعقل قال بوجوب بعثة الأنبياء ومن قال بوجوب ذلك بالشرع منع وجوب بعثة الأنبياء لأنه لما كان المقصود ببعثتهم تعريف المصالح الشرعية وكان يجوز من المكلفين أن لا تكون هذه الأمور مصلحة لهم لم يجب بعثة الأنبياء إليهم . فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد وبلد واحد فلا يجوز
--> ( 1 ) وهيه أثر : الوهاية الشق والضعف ، يقال : وهي السقاء إذا استرخى رباطه ، ووهي الحائط إذا ضعف وهم بالسقوط . والأثر بفتحتين : ما بقي من رسم الشيء .